النهوض والإصلاح المطلوب

 

 

ا

يشغل هاجس الإصلاح والنهوض العرب جميعا وبخاصة القطاع الأوسع من الأمة المعني بنهوضها وتحقيق الإصلاحات في أقطارها، واقتصر هذا الهاجس في السابق من السنين على النخب العربية ودفعها للتحرك في أكثر من قطر وباتجاهات ومداخل متنوعة من اجل تحقيق النهضة العربية عبر الإصلاح الفكري والثقافي ومن ثم السياسي والاقتصادي والديمقراطي، وقد نجحت هذه النخب في تحقيق جوانب مهمة لكنها بقيت قاصرة عن أحداث النقلة النهضوية الشاملة التي تحتاج إليها الجماهير العربية في أقطارها.

وقد برز أيضا في العقود الأخيرة من القرن الماضي المدخل العقائدي للنهوض حيث برزت حركات وأحزاب عقائدية متعددة عملت على تعبئة وتأطير قطاعات شعبية واسعة في أرجاء الوطن وبخاصة في قطاع الشباب حيث غرست فيهم التطلع نحو ضرورة استنهاض الشعب لتحقيق الإصلاحات المنشودة في ابعادها ومجالاتها كافة، ووفرت لهؤلاء الشباب المناخ والتربة الصالحة ليتعمق من خلالها النضج والتواصل بين الأقطار والتكامل من اجل تحقيق ما تصبو إليه جماهير الشعب في تكامل الأفكار والتيارات وكذل تكامل الأدوار والمهمات والانتقال من النظريات إلى الممارسة التي تقود إلى النهوض عبر التخلص من الظلم والاستبداد وغياب الديمقراطية والحقوق والحريات العامة والفساد والتوجه نحو بناء الحياة الديمقراطية التي لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها بل عبر النضال الشاق على مسار الديمقراطية الحقيقية التي تقوم أساسا على فكرة قبول الأخر واحترام رأيه والأخذ بالايجابيات بحيث تتراكم معها لتشكل القاعدة الأساسية والصلبة للنهوض الذي يستند إلى العمل الجماعي الواعي والإدراك بأن أول شروط نجاحه يعتمد التحرك على طريق الإصلاح حيث يحتاج هذا الإصلاح الذي يضع أساس النهضة الشاملة إلى رؤية تحدد ملامحه الكبرى وتعطيه آفاقه المتمثلة في مقاومة الأخطار الاجتماعية والسياسية المحدقة بالشعب والأمة ويأتي في مقدمتها التجزئة التي صنعها الاستعمار من اجل الإبقاء على العرب في حالة الضعف والوهن ويفقدهم القدرة على الدفاع عن مصالحهم واستقلالهم وأرضهم وثرواتهم واستعادة قرارهم المستقل الذي بدونه لا يمكن تحقيق مصلحتهم وتقدمهم ومقاومة المشاريع الامبريالية والاستعمارية ويأتي على رأسها المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني التوسعي الاحلالي وتهدف كذلك إلى تفتيت أقطار الوطن العربي المجزأ أصلا الواحد تلو على الأخر على أسس طائفية ومذهبية وعرقية ما يزيد من ضعفها ويشل قدرتها على مواجهة الأطماع الاستعمارية والامبريالية وبخاصة الأمريكية التي طالما سعت من اجل وضع يدها على مقدرات الأمة ونهب ثرواتها وبخاصة الثروة النفطية الإستراتيجية التي تعطي من يتحكم بها القدرة على التحكم بالآخرين من جهة كما تجعل منها قادرة على توفير الحماية لأمن الكيان الصهيوني وتزويده بكل أنواع الدعم المادية والعسكرية والسياسية والتي من شأنها أن تجعل هذا العدو قادرا على ترسيخ وجوده وشن أعمال العدوان والحروب على العرب، وبديهي أن الإصلاح والنهوض الوطني والقومي يشكل ردا عمليا على حالات التخلف والقهر والظلم الاجتماعي داخليا مثلما يشكل ردا على المشاريع الصهيونية والأمريكية والاستعمارية، وحتى تنتقل الجماهير العربية من حالتها السائدة الآن إلى حالة نهضوية لا بد من التفاهم على برامج عمل تبلور الرؤى الإستراتيجية التي يتم تحديدها في أولويات تطال مختلف مناحي الحياة وان تكون هذه البرامج نابعة من دراسة معمقة للواقع الذي تعيشه أقطار الوطن العربي بكل جوانبه لوضع الأسس والعناصر الضرورية اللازمة للإصلاح  والنهوض ويأتي  في المقدمة منها التأكيد على إقرار الديمقراطية والتعددية والتركيز على الإصلاحات السياسية والاقتصادية المستندة إلى تنمية تقود إلى تحقيق عدالة اجتماعية مثلما يتطلب النهوض إلى إصلاحات تربوية ونهوض علمي متطور يرتقي بالمجتمع ويجعله قادرا على مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية في العالم بما يمكنه من صنعها وليس لاستخدامها فقط.

بالتأكيد فإن عملية الإصلاح والتغيير والنهوض المنشودة بحاجة إلى تخطيط شامل ووضع خطط للتنفيذ مثلما هي بحاجة إلى انخراط قوى المجتمع ومؤسساته المؤمنة بعملية الإصلاح على الصعيدين الوطني والقومي وهذا يتطلب الاهتمام بالإنسان العربي المؤمن بشعبه ووطنه وأمته ذلك لان الإنسان هو العنصر الأهم الذي تتشكل منه مجموعة الأحزاب والتنظيمات والحركات الشعبية التي هي الحاضن الفكري والساعي من اجل أحداث حركة الإصلاح والتغيير والنهوض عبر تحركها بروح نضالية متطورة ومنظمة وقد أكدت على أهمية الإنسان والجماعات مجمل حركات التغيير في أقطار الوطن العربي التي شهدت نجاحات في التغيير النوعي المطلوب للنهوض المستند إلى إرادة شعبية حيث أن هذه الإرادة الشعبية تشكل الأداة الأقوى للتغيير والنهوض. تلك التغيرات التي ما زالت في بداياتها وحتى تصل إلى ما تصبو إليه جماهير الشعب عليها أن تتوقف عند التعقيدات والصعوبات ومخططات القوى المضادة المتضررة من عملية التغيير كما يتطلب أمر النجاح في أقطار عربية أخرى ترنو جماهيرها إلى الإصلاح والنهوض إدراك المصاعب والعقبات التي سوف تواجهها وهي سائرة على طريق الوصول إلى تطلعاتها نحو الإصلاح والنهوض، لكن رغم هذه المعطيات وقدرات قوى الشد العكسي للإصلاح، كما يقولون، فإن إرادة الشعب وعزيمته تبقى الأقوى والأقدر على تجاوز العقبات والمصاعب والوصول إلى تحقيق أهدافه في حياة حرة كريمة.

 

فـــؤاد دبـــور

 

 

عمان 27/3/2011